اسلاميات

عُلُو الإسلام

محمد سعيد أبوالنصر

عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ – رضي الله عنه – أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَرَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، وَعَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: ” هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سُفْيَانَ، الْإِسْلَامُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ، الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى “
هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن هذا الدين قد كتب الله له الرفعة والعلو، وأن أهله لا يزالون في علو ومكانة حسنة ما داموا متمسكين به، فهذا شرط ذلك، وهو خبر بمعنى الأمر، كما قال -تعالى-: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وََأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }،و قال تعالى: { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى.قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى }،والحديث عام في جميع الأحوال، ويستدل به الفقهاء في فروع ومسائل كثيرة، ومنها : إذا أسلم أحد الزوجين تبع الولد خير أبويه دينًا وهو من كان مسلمًا،” قَالَ الْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ أُمِّهِ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَقَالَ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى” ” ولا تزوج المسلمة للكافر، وهكذا كل حكم ترتب عليه علو شأن الإسلام.
إن هذا الحديث دليل على علو أهل الإسلام على أهل الأديان في كل أمرٍ لإطلاقه، ولا يزال دين الحق يعلو ويزداد علواً، والداخلون فيه أكثر في كل عصر من الأعصار.
إن الإسلام هو الدين الذي ينتصر للضعيف من القوي، وللفقير من الغني، وينهى عن الفواحش والآثام، فيأمر بالفضيلة علماً وعملاً، وينهى عن الرذيلة حقيقةً وواقعاً، ويأمر بالعدل وينهى عن الظلم، فكل البراهين العقلية تشهد بعلو الإسلام على غيره.
وإذا كان الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإن هذا الحكم ينتشر إلى أتباعه من المسلمين، فهم يعلون ولا يعلى عليهم، كذلك قال الله تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }. ومن ثم فهذا الحكم والأصل له تطبيقات في حياة المسلمين مثل ما خاطب الله به المؤمنين في معركة أُحُد بقوله تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ.إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، فمهما أصاب المؤمنين من أعدائهم من ألم أو قرح، فلا يحملهم على الوهن والضعف والتصاغر أمام عدوهم مهما كان قوياً؛ يملك أدوات السحق والمحق والمكر والخديعة والقتل. كلا، فالعالي يجب أن يبقى عالياً ، ولو تسلّط السافل عليه وانتصر عليه وسامه الألم والقرح، فإن هذا العدو يناله القرح والألم أيضاّ، كما ينال المؤمنين، ويُهزم كما يَهزم، والأيام دُول.
لكن الفرق أن المؤمنين يرجون من الله ما لا يرجوا هؤلاء الكفار، وهم الأعلون دوماً، قال تعالى: { وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ }.
وفي هذه المرحلة خاصة، على المسلمين أن يستذكروا جيداً ودائماً هذا الأصل، الذي منّ الله به عليهم، ويعملوا على تنفيذ كل تطبيقاته قدر الطاقة، فمن الهوان أن يرضى المسلمون بالدون وقد كتب الله لهم العلو بالإيمان.
فرضاهم بالدون يكون: بالركون إلى الدنيا، والعبث بملاهيها ومفاسدها، والترف والراحة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم » رواه أبو داود، صحيح الجامع .
نعم، هذا العلو وإن كان قَدَراً وأمراً إلهياً، إلا أنه لن يتحقق في الواقع إلا بالصبر والتضحيات، والعمل الجاد، والكف عن اللهو والفساد، ومعرفة ما الذي يجب على المؤمنين القيام به، قال تعالى: { الر . كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } صدق الله العظيم .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق