مقالات

كشف الكذب بقلــم الأديب المصـــري د. طــارق رضــوان

الكتابة في الكذب، بوصفها ظاهرة قديمة مذمومة، كتب حولها من الفلاسفة وعلماء النفس والأدباء ما يضع أي كتابة جديدة حولها في حالة العجز.أجل لا يمكن لكاتب أن يتناول الكذب ناجياً من التكرار، ولكن إغناء المكتوب أمر ممكن، وإن كان صعباً.
فمن سبقونى بالكتابة عن هذه الأفة الإجتماعية قالوا أن الكذب يستطيع أن يدور حول الأرض في إنتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها.كما عرفوا الخطابة بأنها الكفاءة العالية في رفع الكذب إلى مرتبة الطرب، وفي الخطابة يكون الصدق ذلة لسان. ورأى الأدباء والفلاسفة أن الكذاب والميت سواء، لأنّ فضيلة الحي في النطق، فإذا لم يوثق بكلام الكذاب فقد بطلت حياته. وحذرروا من كثرة الاعتذار، فإنّ الكذب كثيراً ما يُخالط المعاذير. إنّ الكذب يتطوّر مع الزّمن ليتحوّل إلى فنّ من الفنون الرّاقية، وعلينا أن نفهم هذا قبل فوات الأوان.
وأكتب اليوم عن الكذب بعد أن صار قوياً ومعتاداً بفضل شبكات التواصل الإجتماعى. ينساق الناس وراء الكذب طواعية، لا سيّما إذا ترسخت الكذبة في الأذهان كحقيقة، أو كمسلّمة من المسلمات غير القابلة للنقاش، وهو ما يوضّحه جوهر مقولة: “من السهل تصديق كذبة سمعناها في الماضي، على تصديق حقيقة نسمعها للمرة الأولى”، وكأننا نستسيغ الخدعة بكل سرور وأريحية، ما يعيد إلى الأذهان شاعر روسيا العظيم، ألكسندر بوشكين، الذي قال: “آه.. ليس صعبا أن تخدعيني، فأنا سعيد أن أُخدع”.
فنياً … للكذب، كأحد الظواهر المنتشرة في العالم، حضور واضح في الثقافة العربية، من خلال الأغنية والمسرح والفيلم السينمائي.. وربما كان من بين أشهر هذه الأعمال الفنية فيلم: “أنا لا أكذب ولكني أتجمل”، حيث طرح الأديب المصري إحسان عبد القدوس في روايته هذه قضية اجتماعية حسّاسة، ولكن ليس من منطلق ذمّ الكذب والتشنيع على الكذابين، بل من زاوية معالجة هذا السلوك، وكذلك في محاولة لتفهّم دوافعه. ليس ذلك فحسب، بل تمكّن إحسان عبد القدوس من ملامسة الجرح بنصله الحاد، بأن حمل القارئ والمشاهد، ووضعه أمام المرآة، كي يرى في نفسه “إبراهيم”.. ولو من حين لآخر.
ومن الأعمال الفنية الرائعة التي تناولت الكذب، كظاهرة اجتماعية، فيلم “أرض النفاق”، للروائي المصري الكبير، يوسف السباعي، وكذلك المسرحية المصرية “من يضحك أخيرا”. يُظهر هذا العمل الفني الهادف، أن الكذب بات ضرورة لا غنى عنها، وأننا جميعا نفضّل ما يسمّى بالكذب “الأبيض”، على الخوض في تفاصيل الصدق المملّة، التي قد تعود علينا في الكثير من الحالات بما لا يُحمد عقباه.
لقد تناولت الأغنية العربية أيضا الكذب والكذابين، ولكن ليس في محاولة لطرح حلول لهذه الآفة الاجتماعية فليس هذا شأن الأغنية، وإنما كان ذلك في إطار رومانسي جميل. مثل أغنية نجاة الصغيرة ” لا تكذبى”، وأغنية أنوشكا “كداب، وأغنية رامى صبرى “كداب لو قولت”، وأغنية محمد فؤاد” كداب مغرور”، وأغنية عبد الحليم “حلو وكداب ” وغيرهم الكثير.
قال الشاعر:
لا يكذبُ المرءُ إِلا من مهانتِه أو عادةِ السوءِ أو من قلةِ الأدبِ
لَبعضُ جيفةِ كلبٍ خيرُ رائحةٍ من كذبةِ المرءِ في جدٍّ وفي لعبِ
وقال آخر:
الكذبُ عارٌ وخيرُ القولِ أصدقُهُ والحقُّ ما مسَّه مِن باطلٍ زهقا
سياسياً… يقول السياسي الإسرائيلي، آبا إيبان : “البروباغاندا هي فن إقناع الآخرين بما لست أنت مقتنعا به”.. وقد يكون هذا كافيا لإيضاح الترابط العضوي الوثيق بين السياسة والكذب، وهي العلاقة التي سلّط الفيلم الأمريكي “اختراع الكذب” الضوء عليها. فالكذب هواية.. يمارسه البعض بحرفية دون إدراك، بإضافة بعض التفاصيل التي تمنح هذه القصة أو تلك بعدا دراميا يزيدها جمالا من وجهة نظرنا.
وبالحديث عن “الكدبه البيضا”، لا بد أن نعود بالذاكرة إلى فيلم “إشاعة حب”. ومن يعتقدون أنّ الكذب الأبيض لا ضرر منه فسيصابون قريباً بعمى الألوان.
هل هناك فرق بين جهاز كشف الكذب الحقيقى وبين ما نراه فى السينما؟
يشرح جمال فرويز،أحد أساتذة الطب النفسى فكرة جهاز كشف الكذب، مبيناً الفرق بين حقيقة هذا الجهاز و التعامل معه ومع الشخص الكاذب وبين ما نراه فى السينما من تعذيب للشخص الكاذ ب ليقول الحقيقة . فنفسياً الأمر يتطلب توفير هدوء كامل للشخص الكاذب قبل وضعه على جهاز كشف الكذب الذى يتصل باطراف أصابعه، والساعد والقلب والرأس. وأى تغيير فى درجة حرارة الشخص معناه ان الشخص يكذب، كما يصاحب هذا تصبب العرق ،الرعشة وإرتفاع ضغط الدم. لكن المفاجأة تكمن فى تصريح دكتور جمال فرويز أن الشخص المعتاد على الكذب يمكنه العبور بسلام من جهاز كشف الكذب، بينما الشخص الحديث الكذب فيسهل كشف كذبه، حيث تظهر عليه الأعراض السابقة. وعن أكثر الوسائل دقة لكشف الكذب يوضح دكتور جمال أن كارت الكذب ارخص بكثير من جهاز كشف الكذب ولا يتمكن محترفوا السرقة والقاتلين تجاوزه بينما يكشفهم الكارت لأنهم ليسوا على دراية به. وهو متوفر فى الولايات المتحدة الأمريكية وهو يشبه الفيزا.
لكن متى لا يخلق الكذب شعوراً بالخجل؟
الجماعة التي تكذب على لسان قادتها، كما هو حال المتحدثين باسم السلطات والدول والأحزاب، تنظر إلى الأكاذيب التي تطلقها في العلن على أنها نوع من وسائل المكر والخداع الضروري لتحقيق الأهداف التي تعتبرها أهدافاً عامة. فأميركا، أيام بوش الأبن، كانت تعرف بأن العراق لا يملك سلاحاً ذرياً، ولكنها كانت تصر على ذلك لتبرير تدمير العراق بحرب لا تبقي ولا تذر. وباستطاعة وزير خارجية أميركا آن ذاك كولن باول أن يعلن دون أن يحتقر نفسه، بأنه كان يكذب من أجل تحقيق مصالح أميركا. أي إن مصلحة أميركا هي المبرر الأخلاقي الذي حمله على الكذب. فالسلطة الأميركية هي التي شاءت الكذب وليس الفرد كولن باول. كذب كهذا لا يخلق شعوراً بالخجل لدى الكاذب.
وختاماً ليس هناك على ظهر الأرض كائن بشري كاذب بالمطلق أو صادق بالمطلق. فالخوف قد يقود شخصاً ما ينطوي على احترام قيمة الصدق احتراماً كبيراً على الكذب. كما يمكن لشخص ما،لا تحتل قيمة الصدق في عالم قيمه مكانة كبيرة، أن يصدق في شروط تستدعي الصدق. فالذات هنا تعيش اغتراباً إرادياً وتناقضاً بين قوتين قوة الصدق وقوة المنفعة، فتنتصر قوة المنفعة دون أن تلغي من الأعماق قوة الصدق التي يحتفظ بها الكاذب.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق