مقالات

إعتراف بالحزن .. بقلم صافيناز جمال

يوم أحببتك أكتشفت أنه قد نما بداخلي ساق خضراء يمكنها أن تلملم انعكاسات الضوء من هالة تحيطك كهالات النور في الأيقونات المقدسة, لتقوم ساقي بدورها بالتمثيل الضوئي فأزْهر وأثْمر وأنْضج دون أضافة مزيد من ماء أو طعام.فقط بوجودك الذي كان كافياً لتقلب الفصول الأربعة عدد من المرات علي جسدي في اليوم الواحد، ورغم قسوة التقلب فلا يمكنك تخيل كم كانت تعييني مرات الفراق بيننا وكأنه العمر قد عفي عني.. هذه الساق كانت برأس زهرة عبّاد كلما ذهبت ولت قبلتها شطرك ..

يوم رحيك كانت تؤلمني بشدة وهي تلتوي حتي كادت تنكسر وهي تعانق جذعها تحت الأرض لتصنع دائرة لا متناهية من الألم أدركت حينها أن فطام النباتات أصعب بكثير من ذلك الفطام الذي نعرفه ..

حين يقترب ساقك من الأرض تصبح كل الخيارات وهمية عدا الموت كفراشة خلقت لتوها من موت كائن أخر تبدو جميلة مبهجة لكل من لا يعرف أنها تحيا بذاكرة هذه الميتة..

أتعرف لماذا تأخر رثائي لأمي ثلاثة أشهر ولأخي مثلهم ولأبي أعوام كنت مع كل خسارة أحاول خلق مسافة مابين فاجعة الفقد وبين ارتطامها بعقلي أجلس علي طاولة المفاوضات مع الحياة أذكرها بكل المرات التي قبضّت يدي فيها علي حلوى أو أوراق مالية أو ذراع أبي ثم أستيقظت ويدي رغم إحكام القبضة فارغة تماماً!أسترحمها أن تحتسبك عوضا عن كل الهزائم البرذخية ثم أنام لأستيقظ من هذا الكابوس لكن دون جدوي فأعود لأنام وأستيقظ عدد من المرات كمن يعيد تشغيل الحياة بعد أن أصابها عطل لكن دون فائدة الرثاء يأتي دائما كإعتراف بهزيمة التفاوض أمام قوانين الحياة لا كأعترف بالحزن..

كنت أود لو أرثيك رثاء يليق بمدينة مؤمنة سكتت عنها أجراس الصلاة لكن الهالة القدسية قد سقطت عنك يوم أن تركت ساقي الخضراء تنكسر وتركتني أرثي بقايا خضار عالقة في ذاكرة ساقي الخشبية الجديدة بعد أن دفعت خضارها ثمناً كي لا تنكسر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق