أغسطس 18, 2022

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“أخويا الصغير اتحرق في الفرن قدام عنيا”

مشهد مش هيتمحي من ذاكرتي أبدا، هيفضل ملازمني لحد أخر العمر، وكل ما هشوف نار في حياتي هفتكر أخويا الصغير وهو بيتفحم جوة الفرن، بس ياريت الموضوع انتهى في اليوم ده..
 أحمد محمود شرقاوي
……….
كل حاجة بدأت في اليوم ده، بدأت بالنار، وكل حاجة انتهت في اليوم ده، انتهت بالنار برضه، معادلة غريبة ممكن تكون مفهمتش منها حاجة، بس اعذرني لو كنت مشتتة شوية، لأني بمر بأزمة نفسية صعبة، أنا….
دمووووع، دموووع
كل اللي فكراه اني كنت بلعب جمب مرات ابويا وهي بتخبز على الفرن البلدي، وفجأة سمعت صوت صراخ رهيب، وشوفت أخويا الصغير اللي بيزحف دماغه ونصف جسمه كله جوة الفرن والنار ماسكة فيه، ومرات ابويا كانت بتصرخ بهيستريا، لحظات وطلعت أمي تجري زي المجنونة، وشافت اخويا نص جسمه بيتحرق جوة الفرن، وبدون تفكير نطت براسها في قلب النار عشان تلحقه..
وزاد الصراخ لما أمي شدته وحضنته عشان تطفيه، ومسكت النار الملتهبة في وش أمي وهدومها، شوفت جلدها بيسيح وعنيها بتطلع من مكانها، سمعت صراخها الرهيب وشوفت وش ماسكة فيه النار، بعدها زحمة، ناس بتصرخ..
راجل بيشيل امي ويرميها في الأرض ويرمي عليها تراب، واحد تاني بيشد اخويا وبيضرب جسمه ببطانية تقيلة، صراخ، صراخ، صررررراخ، بعدها وقعت من طولي وضلمت الدنيا قدام عنيا..
صحيت لقيت نفسي في حضن خالتي اللي كانت بتبكي يهيستريا، عرفت ان اخويا اتحرق ومات، وشوفت أمي، شوفت واحدة ست غير أمي، واحدة عين من الاتنين عندها متصفية، نص وشها محروق وصدرها كله مسلوخ، وكانت بتتنفض وبتبص للفراغ بذهول، ولسانها عمال يخرج منها ويلحس في شفايفها المحروقة..
بس كل ده مكملش وقت طويل لأنها بدأت تصرخ ليل نهار..
يا ولدااااااي
يا ولدااااااي
وضاعت أمي، ضاعت للأبد، أمي اللي بقت تمشي في الشوارع وتصرخ بكلمة
“يا ولدي” ليل نهار، أمي اللي قالوا انها اتجننت، أمي اللي كانت بتروح المقابر كل ليلة تنوح زي النداهة قدام قبر اخويا الصغير، وكلها أسابيع ولقوها غرقانة في الترعة وميتة..
لسة فاكرة شكلها المخيف وهي جثة غرقانة وجلدها محروق، مزيج مرعب، مخيف، يومها اترعبت أدخل اسلم عليها قبل ما تمشي للأبد، ابويا كان زي لوح التلج، مشوفتش أي تأثر يومها في عنيه، أو يمكن انا اللي كنت طفلة ومش فاكرة..
واتربيت مع ابويا ومرات ابويا، وبدأت الحياة تسوء اكتر واكتر، اشتغلت خدامة لمرات ابويا بكل معنى الكلمة، سب وشتم وضرب، ومكنتش بقدر انطق، لأن ابويا كان دايما في صفها..
وكانت دايما بتتنمر عليا وبتخليني وحشة في عنين ابويا، دي فقر زي امها، دي نحس زي امها، دي هتموت محروقة زي أمها..
لحد ما جت الليلة اللي مسكتني من شعري فيها ومسحت بيا الأرض عشان وقعت عجين الخبيز في التراب، خلتني الحس التراب بلساني يومها، وداست برجليها على وشي،. قطعتلي شعري..
كنت يومها بتألم، حاسة اني في جهنم، وجع جسماني، وأضعافه وجع نفسي، كنت عروسة وقتها عندي ١٩ سنة، واتمسحت بكرامتي الأرض قدام شارعنا كله..
يومها جريت في الشارع هدومي متقطعة، شعري منكوش، ووشي وارم من الضرب، كنت ببكي، بنهج، قلبي بيدق بعنف، نفسي اقتل نفسي، أخلص من الدنيا واللي فيها..
فضلت اجري اجري لحد ما وصلت لمقبرة أمي، ووقعت قدامها، صرخت، بكيت، خبطت عليها بكل قوتي، ناديت أمي مرة واتنين وعشرة..
قومي، اصحي، تعالي شوفي بنتك اللي اتمسح بيها الأرض
اصحي وتعالي خديلي حقي
يا أمي اصحي انا مش قادرة، انا هجيلك يا أمي، هجيلك..
كانت المقابر صامتة، صامتة بصمت الأموات، الشمس فيها بتاكل في جسمي زي اللهب، لهب فكرني بالنار اللي حرقت أمي واخويا..
وانا مش هستحمل النار، فضلت قاعدة قدام مقبرة أمي لحد بالليل، أبكي شوية والطم واسكت، بعدها اناديلها واخبط على مقبرتها، بعدها اسكت تاني..
لحد ما فقت، فقت على لسعة برد شديدة ضربت جسمي، بصيت حوليا لقيت المقابر مظلمة، شكلها مخيف أوي، وفي ودني صوت صفير غريب..
قمت من مكاني وانا بترعش، بتلفت حوليا زي المجنونة، حاسة إن فيه ألف عين بتراقبني، وهناك في الضلمة كانت واقفة، واحدة ست لابسة اسود وواقفة في ثبات بتبص عليا..
مقدرتش استنى لحظة وطلعت أجري، جريت وانا مش قادرة أصرخ حتى، كنت مجهدة وخايفة وجسمي كله متلبش..
خرجت من المقابر لحد الترعة الكبيرة، الترعة اللي غرقت فيها أمي، وهناك قررت، انا هروح لأمي واخلص من كل ده..
مرات ابويا
الضرب
الرعب
الاهانة
وبصيت للمية السودة وغمضت عيني،
………….. وقتها سمعت صوت صرخة، صرخة جت من وسط الغيطان اللي قدام الترعة المزروعة بالقصب، صرخة خلت جسمي كله يتنفض، بصيت للقصب قدامي واتخشبت، لأني شوفت عنين بيضا بتبص من جوة القصب، عنين مخيفة خلت جسمي كله يتشل، انفاسي تسارعت وقلبي كان هيخرج من مكانه..
وفضلت العنين تبصلي بثبات مُرعب، في الأخر قربت مني، وكل اللي لمحته نفس الست اللي كانت لابسة اسود، وصرخت صرخة جديدة..
وجريت بأقصى سرعة ناحية بيتنا، لقيت ابويا مستني وهو هيتجنن، شافني جاية وشكلي زي المجنونة وبصرخ، وسمعت مرات ابويا بتقول
– أهي اتجننت زي امها
محدش قرب مني وقتها، دخلت سريري واتغطيت بالبطانية وفضلت اترعش اكتر من ساعتين، كنت عمالة اردد كلام عجيب، وجسمي كله بيتحرك بعشوائية..
في الوقت ده حسيت بحاجة بتسحب البطانية من عليا، وانكمشت على نفسي اكتر واكتر، وكل اللي لمحته نفس الست المخيفة واقفة قدام سريري وشايلة على ايديها عيل صغير محروق..
فضلت بصالي كتير اوي، وانا كنت منكمشة على جسمي وبتنفض في صمت، صمت تام، في الأخر فتحت بقها على أخره وطلعت لسانها ولحست بيه شفايفها المشققة، وبدأ يخرج منها صوت مخيف، صوت زي الضفادع بس خشن اكتر، وبعدها خرجت من الاوضة، وبدأت الأمور تاخد مجرى تاني خالص، بقلم: أحمد محمود شرقاوي..
تاني ليلة بالليل سمعت صوت الست المخيفة، صوت الضفدعة الخشن، اتنفضت من تاني وشوفتها، بس مكانتش قدامي، كانت واقفة في صالة البيت وشايلة الطفل على ايديها، ابويا يومها كان بيسقي الأرض، وشوفتها دخلت اوضة مرات ابويا..
فضلت مترقبة اللي هيحصل لحد ما سمعت صرخة رهيبة، وخرجت مرات ابويا تصرخ برعب الدنيا كله وهي بتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وفضلت لحد الصبح قاعدة في الصالة بتتنفض وبتكلم نفسها..
وأول ما ابويا جه جريت عليه وفضلت تصيح وتقول:
– مراتك كانت هتقتلني، مراتك جاية تقتلني
طبعا اتهمها بالجنون واستعوض ربنا على قدره اللي كتب عليه يعيش وسط المجانين، بس هي ثارت، وهو مستحملش ونزل فيها ضرب، وانا كنت واقفة بتفرج بصمت تام، شوفته وهو بيضربها علقة موت، كان مضغوط ومش مستحمل، وثورته طلعت فيها..
بس الموضوع كمل معاها، كل ليلة كانت تصحى وهي بتصرخ وتقول “مراتك هتقتلني، أشجان هتقتلني”
وانا مكنتش بسمع غير صوت الضفدعة بالليل، وقتها بعرف انها حضرت، وانها هتروح تخوف مرات ابويا، ويوم بعد يوم بدأت الست تشيخ، شعرها كان بيبض وجلدها بيشقق وعنيها بتغرب، كانت بتعجز بسرعة رهيبة..
لحد ما رجلين من أهل البلد في يوم جابوها من عند المقابر بتجري زي المجانين، بس الموضوع كمل، شهور طويلة والست بتتحلل زي الجثث، لحد ما صحيت في ليلة تقول، حاضر ياختي حاضر، هخبز والله هخبز..
وراحت جابت الدقيق وعملته عجين، وفي نص الليل ولعت الفرن البلدي وقعدت قدامه تخبز، وقتها سمعت صوت الضفدعة، وعرفت ان مرات ابويا بتخبز فوق، معرفش ليه طلعت اشوفها..
طلعت عشان اقف وراها واقولها:
– انتي بتعملي ايه
بصتلي بشرود وقالت:
– بعمل عيش لأشجان وابنها عشان جعانين، وعشان تسامحني لأني حرقت ابنها
صرخت فيها بذهول:
– انتي بتقولي ايه
– كنت بحقد عليها وعلى خلفتها عشان انا مبخلفش، استغليت وجود ابنها لوحده ورميته يتحرق في الفرن، وشوفتها بتتحرق معاه، وانتقمت منك وخليت عيشتك مرار في مرار، ودلوقتي بعملها عيش عشان تسامحني
جسمي كله ولع بالغضب، قربت منها بحذر وانا ببص للنار وليها، انا هحرقها، ايوة هحرقها، بس في اللحظة دي هي وقفت، وقفت وديل الجلبية المقطوع دخل جوة الفرن، وبمعجزة غريبة النار مسكت في ديل الجلبية وفيها كلها في لحظات بس..
كأنها نار مختلفة عن النار بتاعتنا، وشوفت بعنيا مرات ابويا بتتحرق، سمعتها بتصرخ من الألم، كل اللي عملته استخبيت في ركن السطح ورا الكراكيب، وشوفتها بتزحف على التراب والنار بتاكل فيها، شوفت ابويا بيجري وبيصرخ وبيحاول يطفيها، الجيران كسروا الباب وحاولوا يطفوها، بس هي مكنتش بتقول غير:
– كفاية يا أشجان
أما انا فكنت براقب كل ده بصمت تام، وفوق السور الضلمة لمحت الست المخيفة، أمي، وكانت شايلة الطفل على ايديها، بصتلي كتير وبعدها نطت من فوق السور، واتفحمت مرات ابويا ولفظت انفاسها الأخيرة..
واختفت أمي ومرات ابويا للأبد، ويادوب قدرت أحكي بعد ما اتجوزت بخمس سنين كاملين، الله يرحمك يا أمي..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
“ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تذكرون”
“من قتل يُقتل ولو بعد حين”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………
ترقبوا أعمالي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٢ ضمن اصدارات دار ببلومانيا للنشر والتوزيع.. صالة ٢ B11
رواية “إني رأيت”
سلسلة مائدة الفزع العدد الثالث “لعلهم يرجعون”