فبراير 1, 2023

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“وعي أخر” بقلم طارق حلمي الشناوي

نعيش في مجتمع به العديد من الثقافات والمستويات العلمية التي لا تعبر بعد عن وعي حقيقي بواقع المجتمع بطبقاته وفئاته, حيث يبدو ذلك من الاحتكاك الواقعي بين هذه الطبقات والفئات, ونجد أنفسنا في حاجة للتعرف على طبيعة كل فئة عند التلاقي, ونحتاج إلى وقت كبير للحصول على خبرة في كيفية التعامل معها, ونشير بذلك إلى ذوي الإعاقة الذين لم يجدوا اهتمام حقيقي, بتفعيل قوانينه ولائحته التنفيذية وحقوقه وتفعيلها على أرض الواقع بالشكل اللائق لاحتياجاتهم المادية والمعنوية من قبل باقي فئات المجتمع البسيطة منها إلى أصحاب القرار الذين نرجو أن يكون ذوي الإعاقة في خطتهم المستدامة التي ترسم مستقبل مصر حتى 2030.
وبعيدا عن الكلام المرسل والمتكرر والذي يعلمه الكثير, أحب أن أحكي تجربتي الشخصية مع مجتمع متقدم في احتوائه لجميع فئاته وكيفية التعامل معها بالشكل الذي يناسب طبيعته المادية والمعناوية, حيث زار مصر وفد من دولة السويد من شمال أوربا أتى إلى مصر لربغبته في نشر رياضة الغوص تحت الماء بأنحاء الدول العربية والإفريقية وذلك بتدريب مجموعة من المكفوفين لممارسة هذه الرياضة التي يمارسها الأسوياء بدنيا للمتعة والترفيه بسواحلنا الممتدة بالبحر الأحمر وشرم الشيخ, وتعد الفكرة جديدة وقتها حيث كان في عام 1989, وقد أثارت الفكرة رغبة العديد من المكفوفين ومشاركتهم في التدريب على الغوص تحت الماء, وقد دارت بأذهانهم العديد من التساؤلات, كيف نتعلم هذه الرياضة؟ ولماذا يمارسها المكفوفين وهي معتمدة بالدرجة الأولى على الإبصار؟ وما هي الإفادة الحقيقية التي يمكن الحصول عليها من هذه الرياضة؟ وما هي الأخطار التي يمكن التعرض لها في حالة ممارستها؟ وبالفعل وجدنا أنفسنا فريق مكون من تسعة أعضاء لديهم الرغبة في خوض هذه التجربة الجديدة معهم ثلاثة مشرفين من المدرسة التي كنا فيها الخاصة بالمكفوفين, وكان معسكر التدريب بمدينة الأقصر لمناسبتها كمدينة سياحية يرغب هذا الوفد في زيارة آثارها العديدة, وأماكنها السياحية الرائعة, فكانت إقامتنا بأحد الفنادق المنتشرة بالأقصر المستقبلة للسائحين, وكان تدريبنا اليومي بحمام السباحة الخاص به, وكان برنامجنا اليومي تدريب في الصباح حتى الثانية عشرة ظهرا, ثم زيارة الأماكن السياحية, وفي المساء حفلات موسيقية, وأثناء ذلك حدث الكثير من المواقف التي عبرت عن علاقة هذا الوفد الذي كان يصطحب معه العديد من المكفوفين,بمجتمعه المتقدم الذي يقدر احتياجات ذوي الإعاقة, ويمنحهم حقوقهم بالصورة اللائقة كأفراد مشاركون في مجتمع واحد لهم كل الحقوق وعليهم الواجبات التي يؤدونها بالقليل من الإمكانات التي تيسر لهم هذا كمكفوفين, وقد استطاعت المجموعة المتدربة على الغوص تحت الماء والذي كان مقدر لهم برنامج لمدة أسبوع حتى يتمكنوا من الممارسة الجيدة للغوص, أن يتمكنوا إلى مراحل البرنامج النهائية خلال أربعة أيام فقط, مما أثار إعجاب القائمين على البرنامج التدريبي وأصبح لديهم قناعات بأن المكفوفين المصريون لديهم قدرات خاصة مختلفة عما صادفهم في الكثير من الدول النامية الأخرى التي حاولوا نشر هذه الرياضة بها, وقد علمنا بأن هذه الرياضة تمارس للمتعة والترفيه في مجموعات حتى لا تهاجمهم الأسماك المتوحشة أو التعرض لأي أخطار تحت الماء أثناء مشاهدتهم لعجائب الله الراسية بقاع البحار أو الآثار الغارقة تحت الماء من سفن وغيرها تستحق المشاهدة, وأن المرافق في هذه الرحلات تحت الماء شيء طبيعي يفعله الأسوياء جسديا, وتدربنا على الحوار تحت الماء حتى نعبر عن احتياجاتنا بحركات الأيدي الملموسة, وعرفنا معنى أغنية عبد الحليم حافظ رحمه الله أني أتنفس تحت الماء والمتعة التي يشعر بها حين أصبح أحد أعضاء عالم أخر بالقليل من الإمكانات, وعلمنا أيضا أنه من حقي أن أرى ما يراه الأخرون بالشكل الذي يناسبني وألا أحرم منه لأي سبب كان لا دخل لي به, وأن أظل أحاول وأحاول حتى أنجح في الوصول إليه لعدم وجود فارق بيني وبين غيري ولكن ذلك من فعل الأخرين, وقد بدى فهمهم الجيد لاحتياجات المكفوفين من خلال الحركة مع مجموعة المكفوفين وكيفية التعامل معهم , حيث كنا قد شاهدنا جدية كاملة أثناء التدريب, وكيف يعملون على توصيل المعلومة بشكل ملموس لكل جوانب المعلومات عن الغوص بداية من كيفية ارتداء أدوات الغوص التي عرضت علينا وتعرفنا على استخداماتها وطريقة الاستفادة منها, وأدائهم لكل الحركات الجسدية سواء كانت فوق الماء أو تحته حتى تصل المعلوماة بشكل جيد دون وسيط يصفها لنا, تأكدت قناعتنا بأنهم قد تدربوا على اصطحاب ذوي الإعاقة والمكفوفين بشكل خاص عند زيارتنا للأماكن السياحية, حيث كان المدرب يصطحبني وصديق أخر أثناء جولاتنا, فكان يحاول وصف كل ما يقابلنا لا يمكن لمسه, يجعلنا نلمس المسموح بذلك, وكان أثناء السير يتقدمنا بخطوة حتى لا يزعجنا بترديد كلمات الصعود والهبوط والتوقف وغيرها من الحركات لشعورنا بها دون كلام وبالتالي نفعلها بشكل تلقائي وكأننا نرى كل شيء, وكان أثناء جولتنا بأحدى الجزر المتوسطة النيل الخصيب وكانت تسمى بجزيرة الموز لكثرة ما بها من أشجار موز وأشجار أخرى للعديد من الفواكه, كان يقطع ورقة من كل شجرة ويقربها من أنوفنا لنشمها ثم يذكر اسم الشجرة وما بها من ثمار, وجرينا ومزحنا لطبيعة الرحلة التي كنا بها, فشعرنا بأننا بحياة أخرى وأناس أخرون مع أننا في بلدنا لم نرتحل لغيرها, وشعرنا بأن هناك من يمكنه فهمنا ويمكنه إسعادنا بقليل من الوعي والفهم لطبيعة إعاقتنا التي سببها فقدان حاسة من حواسنا وليست كلها, حيث باستخدام الحواس الأخرى بتدريبها وتنميتها يمكن تعويضها والعيش بشكل طبيعي ولكن وسط أناس لديهم الوعي بك بالشكل اللائق لقدراتك الحقيقية, قادرين على استفزاز ملكاتك الخاصة الكامنة خلف العزلة والتهميش, وشعرنا بأننا داخل مجتمع مختلف يقدرنا, ويقدر إمكاناتنا ويشيد بها في إطارها المناسب دون إشفاق أو مبالغة, مجتمع فاهم لطبيعة من يتعامل معه, يدرس إمكاناته ويتدرب على كيفية التعامل معه, مجتمع سد احتياجات ذوي الإعاقة المادية والنفسية معا لأهمية كلا منهما لفئة عملوا على دمجها بينهم دون تهميش أوعزلهم في بيئة لا تناسب قدراتهم التي تتلاشى وتتقوقع لما فرض عليهم في كل مكان بداية من الأسرة والمدرسة والجامعة والعمل والمجتمع بإثره, مجتمع بحث على الكامن داخل هذه الفئة وأخرجه ليكون علامة على قدراتهم ونجاح من استطاع إبرازها, ونجاح للمجتمع الذي استفاد من قدرات هذه الفئة كقوى فعالة وليست عالة.
نحلم بأن تتكاتف الجهود حكومات, ومجتمع مدني , وأصحاب رأس المال من هيئات ومؤسسات ورجال أعمال, وذوي الإعاقة أنفسهم, بأن يصبح لكل دوره بالشكل الذي يناسبه دون إخلال بطبيعة المجتمع وهدفه المرجو الوصول إليه, والذوبان في بوتقة تخرج مجتمعا مترابطا يعلم الجميع ما لهم وما عليهم دون تمييز.