أبريل 20, 2021

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

التدين المغشوش

بقلم / دكتور أحمد يوسف الحلواني
باحث في الشريعة الإسلامية
القرآن الكريم لا يكتفي فقط بالحديث عن المُنافِقين الذين يُظهِرون الإيمان ويُبطِنون الجحدة والكفران، بل يضم إليهم نفراً هم أوسع دائرةً منهم بحيث تكون العلاقة علاقة عموم وخصوص مُطلَق، إنهم الذين وصمهم القرآن بأن في قلوبهم مرضاً ، وهي دائرة أوسع من دائرة المُنافِقين , فكل منافق في قلبه مرض ولكن ليس كل من في قلبه مرض منافقا .
ونستطيع أن نضع عنوان لهولاء أنهم أصحاب التدين المغشوش أو التدين العليل كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله .
• ومنهم أهل الرياء ، الذين يُراءون بصالح أعمالهم، أصحاب الدعاوى الطويلة العريضة الذين يتهددون بفعل الصالحات وفي رأسها الجهاد – مثلاً – في سبيل الله، فإذا ما أُدخِلوا الأتون أو فرن الامتحان رسبوا لأول وهلة ، قال سبحانه وتعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا }
فهذه صورة من صور التدين المغشوش أو التدين المعلول، يحدثنا عنها القران الكريم ، الذين يُفكِّكون بين الإيمان والعمل , اكتفاءً بزعمهم بالإيمان الذي يُوشِك أن يكون إيمان لسان أيضاً يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وإنما يكتفون بأقوالٍ لا تُحقِّقها ولا تسندها ولا تُبرهِنها أعمال، فكلمة المقت والتي تعني أشد الكره والبِغضة لم ترد في الكتاب العزيز إلا في مواضع أربعة، منها قوله تعالى { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، لم لا تُبرهِنون أقوالكم بأفعالكم ودعاواكم بأعمالكم؟ – {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المُنكَر ويأتونه والعياذ بالله، هؤلاء مِن أوائل مَن تُسعَّر بهم نار جهنم يوم القيامة.
• ومن صور التدين العليل المغشوش إيمان الأحبار والرهبان , أهل علم , وأهل عمل , فقال سبحانه وتعالى { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
والملاحظ هنا أن المولى عز وجل صدر الآية الكريمة مخاطباً المؤمنين وكان يُمكِن أن يُرسِلها إرسال مُقرَّرة فيبدأ بقوله إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ، لكنها جاءت تعليماً وتبصيراً وتحذيراً، كأنه يقول حذاري حذاري من أن تسلكوا مسلكهم وتأخذوا بطريقتهم , وهذا ما أكَّد عليه النبي وحذَّر منه، قال لتتبعن سَنن مَن كان قبلكم حذو القذة بالقذة إلى آخر الحديث، قالوا يا رسول الله مَن؟ اليهود والنصارى؟ قال فمَن؟
أي من غيرهم ، كما فعلوا ستفعلون، كما اعتل إيمانهم وتدينهم سيعتل إيمانكم .
القرآن يقول إِنَّ كَثِيرًا في تأشيرة واضحة على كونها ظاهرة , ظاهرة الاعتلال والمرض الديني، فهى يُمكِن أن تستشري وتتفشى بحيث تصبح ظاهرةً ، وهذا ما تُعطيه كلمة كَثِيرًا ، قال الله { إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَار }ِ
قال الإمام عليّاً – رضوان الله تعالى عليه – قصم ظهري اثنان: جاهلٌ مُتنسِّك وعالمٌ مُتهتِّك، هذا حبرٌ وهذا راهبٌ، راهب يترهبن عن جهل تدينه بالحري يأتي مغشوشاً، قال تعالى {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} إذن قال الله وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ، منصوبة على الاشتغال، فكأنه قال وابتدعوا رهبانيةً ابتدعوها، بالحري ليست معطوفة على قوله وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ، مُستحيل أن الله جعلها في قلوبهم ثم يقول ابتدعوها، وإلا يتناقض المعنى، فهذا هو إعرابها، وابتدعوا رهبانيةً ابتدعوها كما يقول – تبارك وتعالى – {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} أي وقدَّرنا القمر قدَّرناه منازل.
 وفى نهاية حديثى عن التدين العليل المغشوش هناك صورة واحدة للتدين كما أاراده الله لنا، وهو ان تُشيع المحبة السلام وأفكار التسامح واللاحصرية واللاانحصارية وأفكار الاجتهاد وأفكار الإصلاح وتُوقِّر الحياة وتُوقِّر الأحياء وترعى الحرمات والحدود وتُدافِع عن الحقوق بلا قيد أو شرط , والعدل والمُساواة وكرامة الإنسان وتقدير العلم ومحبة العلم للإضافة للحياة , وأن تكون نبيلاً عظيماً معطاءً، تُضيف إلى الحياة والحضارة والمسيرة الإنسانية إضافات إيجابية باستمرار، وألا تُشيع الأفكار الانحصارية والحصرية والانغلاقية والبِغضة والشنآن والسباب والشتائم وهتك أعراض الناس والتشكيك في ذممهم وأماناتهم والكذب عليهم والافتراء عليهم ثم يتعدى الأمر إلى التكفير واستباحة الدماء .